تعود آخر محاولة جدّية لتجميع وفهرسة الدراسات والخطط والمشاريع القطاعية التي أجريت وصممت لمختلف إدارات ومؤسسات ومصالح الإدارة العامة اللبنانية إلى أيام وزارة التصميم وقد وضع في السبعينات آخر فهرس مطبوع دكتيلوغرافياً لما كان متوفراً منها آنذاك.
تنبهنا في بداية تولينا مهامنا الوزارية إلى أهمية تجميع الدراسات وفهرستها ووضعها بمتناول القياديين أصحاب القرار في الإدارة العامة اللبنانية حيث برزت الحاجة إلى معرفة ما نمتلك من وثائق، هي كنوز من ورق، وتحديد حاجات كل قطاع لنتمكن من تنسيق إنفاق القروض والهبات لدينا بالتعاون مع الإدارات والمؤسسات المعنية بما يعود بالنفع على الإدارة العامة ككل وبالتالي على الدولة.
كانت رحلة تجميع الدراسات والمشاريع المتعلقة بهذه الإدارة التي قدناها بنفسنا متصلين بالوزراء والمدراء العامين ورؤساء المصالح لملاحقة مصير هذه الدراسة أو تلك وتجسّدت بالفهرس الحالي، عبارة عن رحلة شاقة استغرقت أكثر من سنة. وقد إقتصر معظم عملنا على الدراسات والمشاريع القطاعية دون الدخول في التفاصيل والدراسات التقنية.
فبناءً على طلبنا، أصدر دولة رئيس مجلس الوزراء تعميمين يتضمنان توجيهاته للإدارات والمؤسسات العامة للتعاون معنا في هذا المجال، كما عمدنا نحن، قبل إصدار هذا الفهرس، إلى نشر بيانين صحفيين دعونا من خلالهما الإدارات والمؤسسات العامة والمكاتب الإستشارية والباحثين إلى تزويدنا بنسخ عن دراساتهم، وإننا نتوجه بالشكر لكل من إستجاب منهم لدعوتنا وتعاون معنا، نشير إلى أن أستاذاً جامعياً واحداً فقط إستجاب للدعوة. ونأسف لعدم تمكننا، بسبب ضيق الوقت، من الاتصال بالجامعات والنقابات والعدد المتبقي من الباحثين الرواد، مستغلين هذه الفرصة للتأكيد على أن هذا الفهرس ليس سوى بداية: نقطة إنطلاق تتطلب تيويماً باستمرار – ونأمل أن تبدأ الخطوة الثانية بالدراسات والمنشورات الجامعية.
إنما ما يذهل هو فوضى حفظ هذه الدراسات – وقد نقول عدم حفظها – من قبل الجهات المختصة بما فيها المنظمات الدولية. والأغرب أن أهم توصيات هذه الدراسات التي وضعت منذ السبعينات لم تطبق وها هي تعيد نفسها اليوم: من ضرورة إنشاء وتحديث استديو سمعي بصري تناط به مهمة الإعلام الإداري حول نشاطات الدولة، إلى ضرورة التعاون مع القطاع الخاص والأهلي لتقديم الخدمات الإجتماعية للمواطن وضرورة تحديث وتطبيق سياسة جديدة للموارد البشرية ضمن الوظيفة العامة وإستحداث مكاتب إستقبال للمواطن... فالهيئة المركزية للإصلاح الإداري مثلاً، كانت قد أوصت في العام 1959 وفي تقريرها حول تحسين أساليب العمل الإداري في لبنان بوضع دليل الموظف العام، يحدّد حقوقه وواجباته، وبتوزيعه على جميع الموظفين في الإدارة العامة. وقد وضع مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية فعلاً هذا الدليل – دون العلم بالتوصية الصادرة قبل 43 سنة من قبل الهيئة المركزية للإصلاح الإداري حول هذا الموضوع – ووزعه مجاناً على جميع الموظفين.
وكم نستغرب ان موضوع تنمية المناطق المحرومة، الذي هو نوع من "مواويل" للمطالبات والمزايدات النيابية، قد بدأ الحديث عنه ووضع الخطط له منذ الستينات استكمالاً حتى اليوم مع برنامج الأمم المتحدة الحديث للتنمية الريفية المتكاملة لمنطقة بعلبك-الهرمل. والأهم هو أن لا تنمية للمناطق المحرومة حتى الآن!
هذا عدا عن توفر السياسات والإستراتيجيات القطاعية بالعشرات تكرر نفسها بدون التنسيق من قبل الجهات التي أشرفت على وضعها وبدون التزام حقيقي بها في أي من القطاعات، مما يثبت أن الإدارات المعنية كانت تلجأ دائماً للإختيار الأسهل: فبدلاً من أن تفتش عن هذه الدراسات القيّمة التي كلّفت الدولة ملايين الدولارات وتعمد إلى تحديثها واستكمالها، كانت هذه الإدارات تعيد تلزيمها من جديد... وأحياناً للشركات نفسها!
إننا نعتبر أن الدراسات التي تمّ جمعها وتصنيفها وفهرستها وحفظها والتي يفوق عددها الأربعة آلاف دراسة ليست سوى جزء يسير من الدراسات الموضوعة فعلاً حول مختلف حاجات الإدارة العامة اللبنانية، وأن القسم الأكبر منها لا يزال ينام قرير العين في متاهات المخازن وأدراجها، وسوف يفقد عملنا كثيراً من قيمته إذا لم يستكمل باستخراج / بإيقاظ ما تبقى وتصنيفه وفهرسته ووضعه في العلن.
وإنطلاقاً من قناعتنا بأهمية تمكين الباحثين والمعنيين في القطاعين العام والخاص، كما والمواطنين العاديين، من الرجوع إلى هذه الدراسات وإستخدامها في بحوثهم ودراساتهم المستقبلية، فقد عمدنا إلى تأسيس مكتبة خاصة تضم كل الدراسات التي استطعنا الحصول عليها، على أن يستمر تيويم محتويات المكتبة من خلال المزيد من الدراسات التي يتم تزويدنا بها – أكانت قديمة أو جديدة.
إن أية محاولة جدية لبناء دولة تبدأ بالتخطيط وإجراء الدراسات التنظيمية وتبنّي توصياتها القطاعية، ومن الواضح ضرورة وجود جهة مسؤولة عن تنسيق هذا النشاط وتحديد الدراسات التي سوف توضع مستقبلياً حول القطاعات الحكومية كافة وذلك تلافياً للتكرار غير المجدي والعشوائية ومنعاً للهدر .